الدولة الاسلامية في العراق والشام
تبيهين مهمين للزوار وضيوف المدونة
بعد التسجيل في المدونة لا بد من تفعيل اشتراككم فيها عبر الرابط (الوصلة) التي ترسل لكم تلقائيا حال تسجيلكم على عنوان بريدكم الالكتروني, وبدون ذالك فلا يكون اشتراككم فعال.

الروابط والوصلات الموجودة في مقالات ومشاركات اعضاء المدونة مباشرة وفعالة للاخوات والاخوة المسجلين في المدونة, اما الزورا الغير مسجلين, فالروابط والوصلات داخل المواضيع لا تكون فعالة, وعليهم نسخها ولصقها على المتصفح من اجل فتحها والاطلاع على مضامينها.

الدولة الاسلامية في العراق والشام

قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: (ومتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسـوله؛ كان مرتدا كافرا يستحق العقوبة في الدنيا والأخرة) [مجموع الفتاوي].
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» الشيعي المجوسي امير الموسوي مسح حمام الاتجاه المعاكس بابراهيم حمامي
الثلاثاء فبراير 17, 2015 6:35 am من طرف عبدالله

» في مواجهة الحرب البرية الصليبية المرتقبة على دولة الخلافة الأسلامية
الثلاثاء فبراير 10, 2015 1:40 pm من طرف عبدالله

» تعليق الشيخ مأمون حاتم على حرق الدولة الاسلامية لطيار التحالف الصليبي
الجمعة فبراير 06, 2015 3:48 pm من طرف عبدالله

» احراق الطيار المرتد معاذ الكساسبة..لماذا؟
الجمعة فبراير 06, 2015 12:23 am من طرف عبدالله

» عبد الباري فلتان!
الخميس فبراير 05, 2015 1:12 am من طرف عبدالله

» مقلوبة فلسطينية!
الثلاثاء فبراير 03, 2015 4:30 pm من طرف عبدالله

» خدمات وبرامج وتطبيقات تجعل جواسيس وكالة الأمن القومي NSA يعجزون عن مراقبتك!
الإثنين فبراير 02, 2015 5:35 am من طرف عبدالله

» عدونا الكردي ولمــــا نعتبر بعد!
السبت يناير 31, 2015 2:01 pm من طرف عبدالله

» "القامشلي ليست كردية"...جدل بالأرقام والخرائط حول التوزع الديمغرافي في الحسكة
الإثنين يناير 26, 2015 8:48 am من طرف عبدالله

» الحوثي اصبح يستقبل الطيران الايراني المحمل بالأسلحة والخبراء عبر مطار صنعاء
الإثنين يناير 26, 2015 3:26 am من طرف عبدالله


شاطر | 
 

 الثورة السورية ومسارات التدويل (10)..«الشام» و «الملحمة»

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
د. أكرم حجازي



عدد المساهمات : 77
تاريخ التسجيل : 16/08/2011

مُساهمةموضوع: الثورة السورية ومسارات التدويل (10)..«الشام» و «الملحمة»   الخميس أكتوبر 04, 2012 2:45 am


الثورة السورية ومسارات التدويل

«الشام» و «الملحمة»

(10)


د. أكرم حجازي

2/10/2012


لا يعرف «المركز»، الذي لا يجد بديلا عن «الطائفة العلوية» كضمانة لأمن النظام الدولي، ماذا يفعل إزاء شعب لا يريد أن يهدأ أو يصمت، رغم كل ما لحق به من كوارث ودمار!!! أما السوريون الذين عرفوا كيف بدؤوا ثورتهم فلا يريدون أن يصدقوا أنهم يواجهون ثلاثة مشاريع جهنمية تجتمع على أمة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ولا يدرون كيف سيتوقفون؟ ولا متى؟ !!! لكن الجميع مقتنع كل القناعة أنه يخوض معركته الأخيرة؛ بين أن يكون أو لا يكون!!! ينطبق هذا على «المركز» ودول الخليج وتركيا وإيران و «حزب الله» و «إسرائيل» والنظم العربية. ترى: ما هي استراتيجية «المركز» في حماية أدواته القاتلة في سوريا؟ وكيف أدارت الثورة حربها مع النظام؟ وأخيرا ما هو التوصيف العقدي لـ «الشام»، وما علاقته بالثورة؟

أولا: «المركز» وأمن الطائفة

بداية؛ من الضرورة التفريق بين كون الصراع الدائر في سوريا هو في الحقيقة الظاهرة صراع سياسي وليس صراعا طائفيا وإن كان بالمبدأ والمنتهى صراعا عقديا. فالثابت أن النظام الحاكم هو الطائفي وليس المجتمع. أما لماذا هو سياسي؟ فلأن «الطائفة العلوية»، كما سبق وأشرنا في الحلقات السابقة من السلسلة، هي امتياز دولي صممته فرنسا وبريطانيا، بعد الحرب العالمية الأولى سنة 1913، ليكون أحد أقوى ثلاث مرابط للنظام الدولي الذي أقيم على أشلاء العالم الإسلامي .. هذا المربط تسلمه الاتحاد السوفياتي بعد حرب السويس سنة 1956، وهو الذي أوصل الطائفة إلى السلطة، وهو الذي غطى عدوانا «إسرائيليا» سنة 1967 على المشرق العربي، انتهي باحتلال هضبة الجولان، وحتى بيعها لـ «إسرائيل»، مع سيناء والضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة وأجزاء من الأراضي الأردنية.

إذن المشكلة سياسية كونها تتصل مباشرة بأمن النظام الدولي. فـ «المركز» لم يسبق له أن شعر بالخطر الشديد الذي يتهدد نظامه الدولي كما يشعر به اليوم مع الثورة السورية، لذا فهو يخوض حربا وحشية بأدواته الطائفية في سوريا، ولأن المهمة ثقيلة عليه، فقد لجأ إلى إدارتها عبر لعبة تقاسم الأدوار، بطريقة أقرب ما تكون إلى مسطرة تتوزع وحداتها القياسية على الدبلوماسية والإغاثة وحقوق الإنسان والمبادرات وأصدقاء سوريا والمعارضة والأمن والإرهاب و«الجيش الحر» ... وكل وحدة من هذه الوحدات وغيرها خصص لها ما يلائمها من التصريحات والاتصالات والاجتماعات والمؤتمرات. والنتيجة أنه بعد أكثر من عام ونصف من القتل والتدمير حققت مسطرة «المركز» نجاحات ملموسة سواء على مستوى تطويع الوحدات ذات الصلة لاحتياجاته، أو على مستوى عزل الشعوب العربية والعالم عن الثورة السورية .. وفي المقارنة يكفي تأمل ردود الفعل الشعبية، العربية والدولية، حين تعلق الأمر بالعدوان «الإسرائيلي» على غزة أو بتدخل الناتو في كوسوفو رغم أن المشكلة في يوغوسلافيا السابقة كانت قومية وطائفية معا !!!

كما أنها سياسية مع إيران الخميني، ذات المشروع «الصفوي»، والساعي إلى بعث «الحضارة» الفارسية، ففي الوقت الذي تتلفع فيه إيران بما تزعم أنه مذهب «حب آل البيت»، وتمتطي الشيعة، بينما تكن عداء عنصريا ضد العرب حتى لو كانوا من الشيعة، وتفسد في الدين أيما إفساد، وتتطاول على الرسول صلى الله عليه وسلم، وتؤله عليا رضي الله عنه. لذا فالتدخل الإيراني حتى لو بدا طائفيا، في الظاهر، وهو يقف في المقدمة دفاعا عن النظام الطائفي في سوريا، إلا أنه يقدم خدمات جليلة لـ «المركز»، صارت تفوق في النتائج ما كانت تقدمه «إسرائيل»، وتمارس نفس الخداع الذي سبق ومارسه الاتحاد السوفياتي بحق القضايا العربية .. الخداع التاريخي الذي قام على مسطرة الدعم السياسي والعسكري دون أن يسفر، في أية محصلة، عن إحداث أي فارق في الصراع مع «إسرائيل» .. وهو ذات الخداع الذي يمارسه النظام الطائفي في سوريا باسم «جبهة الصمود والتصدي» تارة « والتوازن الاستراتيجي» تارة ثانية ومحور « المقاومة والممانعة» تارة ثالثة.

أما ما يبدو، لدى الكثير، صراعا بين شقي «المركز»، الشرقي (الصين وروسيا) والغربي (أمريكا وبريطانيا وفرنسا)، في المحافل الدولية، فليس هو في الحقيقة إلا من قبيل الصراع على النفوذ. أي بين من تكون له الغلبة أو الحصة الأكبر في قيادة النظام الدولي في المرحلة القادمة: روسيا والصين؟ أم أمريكا وبريطانيا وفرنسا؟ ولعل المتابع يتذكر جيدا تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حين صرح في 11/7/2012 قائلا: «إن نفوذ الغرب آخذ في الاضمحلال مع تراجع اقتصاده .. وأنه .. مشارك في دبلوماسية منفردة خارج الأمم المتحدة للحفاظ على نفوذه في السياسة العالمية».

وعليه؛ فما من فائدة ترجى على الإطلاق من «المركز»، ولا من أية محاولة لتجريم النظام السوري، أو إحراجه قيميا أو أخلاقيا على ما يرتكبه من جرائم بالغة الوحشية، وتدميره المتعمد للبلاد وكأنها بلاد أجنبية معادية. إذ أن الحقيقة الصارخة تكمن في بنيوية الصراع في سوريا، والتي تقع أصلا خارج حسابات المنظومات السياسية والعلاقات الدولية، وكافة المنظومات القانونية والأخلاقية والإنسانية، وتبعا لذلك فإن أي محاولة لإحراج النظام أو استدراج «المركز»، أو حتى استعطاف ما يسمى بـ «الرأي العام الدولي»، في أيٍّ من هذه السياقات، لا يمكن تصنيفها إلا بالوهم الذي لا قيمة له، فضلا عن أنها إضاعة للوقت، وتبديد للجهد، وخسارة في الأرواح والممتلكات.

ومن الطبيعي ألا يبقي هذا التوصيف أي خيار للثورة إلا الاعتماد على النفس في خوض صراع مسلح ضد النظام الطائفي، وهو ما وقع فعلا بعد بضعة شهور. لكن نقطة الضعف في الثورة تكمن في تلك الدعوات التي تحسن الظن في «المركز» أو التي أنهكتها الرغبات وهي تجهد نفسها في مد جسور التحالف معه وتَلَقي نصائحه وتوجيهاته، وتصر حتى بعد مضي أكثر من عام ونصف على طلب «الحظر الجوي» أو «تسليح الثورة» لمساعدتها في إسقاط النظام، وكأن «المركز» جمعية خيرية تقدم الخدمات للشعوب دون حساب .. بينما يصر، من جهته، إصرارا عنيدا على الرفض القاطع للتسليح أو التدخل الدولي، ما لم يكن بغطاء مزعوم من مجلس أمن لا يسيطر عليه أحدا غيره!!! وبطبيعة الحال فالخشية من وقوع السلاح بيد الجماعات الإسلامية العقدية كان ولا يزال هو المبرر الوحيد في كل التصريحات ذات الصلة. وإنْ كان هذا يشكل جزء من الحقيقة فإن الحقيقة الفاضحة جاءت أخيرا على لسان السفير زلمان خليل زادة، الأفغاني الأصل، الذي عينته الأمم المتحدة سفيرا لها بعد غزو أفغانستان سنة 2001.

ففي مقالة له نشرتها مجلة « فورين بوليسي – 20/9/2012» الأمريكية دعا خليل زادة واشنطن إلى «تشجيع انقلاب على النظام»، وإلى ضرورة « تسليح المعتدلين»، محذرا من: «عواقب مسؤولية احتمال استخدام الثوار السوريين للسلاح الأميركي ضد المدنيين من الطائفة المنافسة». هذا التصريح يكشف عن جواهر المراوغات والخداع الدولي الذي يقوده «المركز» ضد الثورة السورية. فلما تكون الطائفة امتيازا دوليا فإن تأمينها سيعني حصرا أن (1) كافة مبادرات الحل الدولي لن تتجاوز سقف النظام الطائفي، وأن (2) مبادرات الحل الإقليمي ينبغي ألا تقبل بأي تدخل دولي، وأن (3) «تسليح الثورة»، ولو بمستوى رشاش متوسط أو مدفع هاون، سيعني قدرة الثورة على مهاجمة النظام في عقر داره وحصونه الطائفية.

إذن الأولوية الإستراتيجية الأولى لدى «المركز» تقضي بتأمين الطائفة، كي تبقى بمنآى عن الخسائر في الأرواح والممتلكات والمدن والأحياء والقرى. وتعني على وجه التحديد وجوب نقل المعركة أو حصر الحرب في مناطق السنة، وإعمال القتل والتدمير فيها بأقصى قدر ممكن، وبغطاء دولي حتى ينشغل الشعب السوري بنفسه لعدة عقود قادمة بعد أن تكبد خسائر في الممتلكات تصل إلى ألف مليار دولار. وهي نفس العقيدة القتالية لدى «المركز» و «إسرائيل» مثلا، حيث تبقى الدول والمجتمعات آمنة في مقابل تحطيم دول ومجتمعات الخصم. وفي السياق سيكون مفهوما لكل مراقب ذلك (1) الصمت الدولي الكبير على ما يبدو جيبا علويا آمنا أقيم على امتداد الساحل السوري، و (2) ضرورة الحفاظ على سلامة الكتلة السكانية « العلوية» في سوريا من الاستنزاف، وتقليل خسائرها إلى أدنى الحدود عبر (3) حشد مقاتلين من «الطائفة العلوية» في تركيا، والشيعية القادمة من إيران والعراق واليمن و «حزب الله»، كوقود للحرب، وكذا (4) الاعتماد ما أمكن على أبناء الطائفة السنية نفسها في حرب النظام ضد الدولة والمجتمع السوريين.

هذه الاستراتيجية لـ «المركز» والنظام، على السواء، ترمي ببساطة إلى احتواء أي تذمر أو تمرد أو انشقاقات في صفوف الطائفة فيما لو تعرضت لخسائر بشرية ومادية كبرى، عبر طمأنتها، والتأكيد لها بأنها ستظل بحماية النظام الدولي، وبمنآى عن أي تهديد، فضلا عن أن مكانتها في أية صيغة حل ستبقى محفوظة، وفي المقدمة، وهو ما أكده وزير الدفاع الأمريكي ليون بانيتا حين دعا إلى الحفاظ على مؤسسات الدولة والجيش والأمن ومنع تفكيكها كي لا يتكرر، بزعمه، خطأ العراق حين هدمت الولايات المتحدة مؤسسات الدولة وأعادت بناءها وسلمتها للطائفة الشيعية. أما في سوريا فالطائفة هي التي تسيطر على الدولة والمجتمع وليس السنة، وبالتالي ما من معنى يذكر إلا الانتحار فيما لو أسقطت الولايات المتحدة التجربة العراقية على سوريا.

وهي أيضا ذات الاستراتيجية التي اتبعتها فرنسا في تأهيل الطائفة وحمايتها إلى أن تسلمت السلطة. وغني عن البيان القول بأن رسائل الطمأنة للطائفة من قبل القوى السياسية السورية، أيا كان شكلها ومحتواها، لن يكون لها أية قيمة تذكر مقابل ما يفعله «المركز» من إقامة المزيد من التحصينات والدفاعات الاستراتيجية التي يجري ترجمتها على أرض الواقع. وهذا يؤكد أن «المركز» لا يمتلك، حتى اللحظة، أي بديل عن الطائفة يمكن ائتمانه على مصالحه أو على سلامة النظام الدولي وأمنه واستقراره، مثلما يؤكد أن ضمانات المعارضة للطائفة ليست سوى هذيان. فما الجدوى إذن من المراهنة على «المركز» أو أي سياق آخر؟

ثانيا: الأداء السياسي والعسكري للثورة

لم تكن منظومة «سايكس – بيكو» لتسمح ببناء أي شكل من أشكال القيادات في الدول والمجتمعات العربية، لا على مستوى الأفراد، ولا على مستوى الجماعات السياسية والاجتماعية، ولا على مستوى منظمات المجتمع المدني. وتبعا لذلك ظلت الدول والمجتمعات تعاني من غياب كلي للقيادات مما سهل على النظم السياسية الإفلات التام نت أية مراقبة سياسية أو اجتماعية. وما أن انتصرت الثورات، في مراحلها الأولى، حتى وجدت نفسها كالأيتام على موائد اللئام. هذا ما حصل للثورات في اليمن وليبيا وتونس ومصر، ويحصل الآن في سوريا.

فبدلا من أن ترجع القوى السياسية إلى الشعب الذي حملها من الشوارع والمنافي وأجلسها على كراسي السلطة، وتستمد قوتها منه ذهبت إلى البيت الأبيض لتثبيت ما تعتقد أنها شرعية لا تكتمل أو تستمر ما لم تحصل على رضى «المركز». وبدا الأمر في سوريا عجيبا حين تعاملت القوى السياسية مع الثورة كما لو أنها أزمة سياسية تعصف بالنظام. والحقيقة أن بنية المعارضة السياسية التي حطمها النظام الطائفي مبكرا، ودمر مدنا للتخلص منها، ثم طاردها بأحكام الإعدام، جعلها أقرب ما تكون إلى المعارضة «اللقيطة» وهي تنحصر في صيغة أفراد أو أحزاب أو مسميات هلامية ومستحدثة ليس لها أية مواقع على الأرض. فكان من الطبيعي أن تدخل في صراعات بينية أو تبحث عن أغطية دولية أو حتى تستعمل المال لشراء المواقف والولاءات وصناعة الذات في الوقت الذي تسفك فيه الدماء وتنتهك فيه الأعراض وتدمر فيه البلاد. وصار من الطبيعي أكثر أن تبدو الثورة في واد والمعارضة السياسية في واد آخر.

أما على المستوى العسكري فقد أبى السوريون، في محاولة منهم لاستعطاف الرأي العام الدولي واستدراج «المركز»، إلا أن يتعاملوا مع النظام باعتباره «نظاما أمنيا أسديا» مع أنهم في الواقع يخوضون حربا طائفية من جهة النظام، وبرعاية دولية تاريخية. لذا شدد الناشطون الذين ظهروا في الواجهات الإعلامية على الانحياز إلى سلمية الثورة رغم اختيار النظام للقتل من اللحظات الأولى لها. وفي البداية لجأ النظام إلى قواته الأمنية وميليشياته المعروفة باسم «الشبيحة». ولأنه لا يملك أية فرصة في المصالحة أو الإصلاح، وبسبب تزايد أعداد المنشقين من الجنود والضباط وتمرد الريف، فقد صعد من حربه وأدخل أسلحته الثقيلة من الدبابات والمدافع والصواريخ مبتدئا بمدينة درعا. ومع اتساع دائرة الاحتجاجات الشعبية إلى مئات البؤر الاجتماعية في مدن درعا وإدلب والرقة وحماة وحمص وريف دمشق وصولا إلى مدن الساحل لاسيما اللاذقية، وكذا الإعلان عن تشكيل «لواء الضباط الأحرار» و «الجيش الحر»، بدأت الثورة تميل إلى الطابع العسكري.

هنا بالضبط حدثت الانعطافة عبر الانتقال من الحالة المدنية إلى الحالة العسكرية، وهي حالة لا مثيل لها في تجارب الثورات السابقة حيث تكون البداية، في العادة، بمجموعة منظمة ذات أيديولوجية معينة، تعلن الكفاح المسلح ثم تتوسع تدريجيا إلى أن تصبح ثورة شعبية مسلحة لها قواعدها الاجتماعية وتشكيلاتها العسكرية وقياداتها وهياكلها السياسية والإعلامية ومناصروها. لكن في الحالة السورية جاء الأمر معاكسا تماما. ففي كل مدينة وقرية وحي وشارع وزاوية ثمة مجموعة من النشطاء المدنيين حملوا السلاح دون أن تكون لهم أية مؤهلات أو خبرات أو تجارب أو هياكل أو مؤسسات أو قيادات أو انتماءات حزبية أو أيديولوجية .. وصار حال الثورة كحال عذراء أرغمت على الزواج قبل أن تبلغ الحيض!!!

كل هؤلاء اتخذوا من «الجيش الحر» راية لهم. ولأن « الجيش الحر» نفسه ليس تنظيما أو حزبا أو حركة أو جماعة متجانسة فقد تحول إلى «راية شعبية» يمكن أن ينضوي تحتها كل المجتمع السوري: المدني والعسكري، والوطني والإسلامي، والملحد والمؤمن، والقبلي والمدني، والحزبي والمستقل، والصادق والكاذب، والصالح والفاسد، والمجنون والعاقل، والمنضبط والفوضوي، والشاب والعجوز، والشيخ والمخمور، واللص والأمين، والانتهازي والمسؤول ... فكيف يمكن ضبط هؤلاء وقيادتهم وتوجيههم لاسيما أنهم يشكلون نحو 90% من «الجيش الحر» مقابل 10% من العسكريين؟

هذا المشهد الفريد للثورة السورية استعصى على الفهم والقيادة والإدارة وحتى الاختراق. فكل تشكيل فيها زعم أنه صاحب فضل أو قيادة، وله صولاته وجولاته مع النظام، وكل بضعة عشرات أو أقل شكلوا كتيبة أو جماعة أو حتى لواء!! وصار له قراءاته وشعاراته وتفسيراته لما يجري في سوريا، وله استراتيجياته وتكتيكاته في التعامل مع النظام أو المجتمع أو النظام الدولي .. وكي نتلمس الحجم الفعلي للمشهد على الأرض يمكن أن نستعين بالثورة الليبية للمقارنة. ففي ليبيا لا يزيد عدد السكان فيها عن ستة ملايين في مساحة تصل إلى 1.8 مليون كم مربع مقابل 24 مليون في سورية، وبمساحة لا تزيد عن عُشْر مساحة ليبيا. فإذا كانت الإحصاءات في ليبيا تقول أن فيها 1700 مليشيا؛ فكم سيكون عددها في سوريا؟ وإذا كانت مدينة صغيرة مثل مصراتة تؤوي 250 ميليشيا فكم ستؤوي مدينة بحجم حمص أو حلب أو دمشق؟

واضح أننا إزاء آلاف المجموعات المسلحة. ولا ريب أن مشهد المعارضة السورية في الداخل أو في الخارج يعكس إلى حد كبير واقع الثورة، وكذا حالة العسكرة الشعبية التي اجتاحت المجتمع السوري. أما الطريف في المشهد فكان من نصيب المراقبين والمحللين والدارسين والمتخصصين وفي مقدمتهم أجهزة الأمن العالمية التي أيقنت أنها واقعة في ورطة لا سابق لها في كيفية التعامل مع مثل هذه الحالة غير المسبوقة. ففي حين تتلهف أجهزة الأمن على المعلومة باعتبارها الهدف الأول لها إلا أن الواقع السوري يؤكد أنه ما من حقيقة يمكن الثقة بها، لا من جهة المعارضة ولا من جهة المجموعات المسلحة، وتبعا لذلك فما من موقف يمكن تمريره بسلاسة لا من الغرب ولا من الشرق. وحتى النظام الطائفي فشل في التعامل مع الثورة، واضطر إلى إخلاء الكثير من مناطقه في المدن والريف، ولم يعد ثمة وجود آمن للسلطة إلا في مناطق شبه مغلقة.

ولا ريب أن هذه الوضعية تمثل نقطة قوة جبارة للثورة السورية. إذ سيكون من الصعوبة على أجهزة الأمن الدولية تقييم الثورة والوقوف على نقاط الضعف والقوة والتأثير فيها ما لم تتوفر لها المعلومات اللازمة. وستكون مغامرة محفوفة بالعواقب والمخاطرة إذا ما ركنت الولايات المتحدة إلى معلومات عملائها في المعارضة أو مَن هُم على صلة بها من الضباط المنشقين، بالنظر إلى سوء التجارب السابقة في أفغانستان والعراق على وجه الخصوص، لذا فقد اضطرت إلى النزول إلى الميدان بنفسها، ودفعت بخبرائها المتخصصين في جمع المعلومات إلى الساحات لتكوين قاعدة معلومات تمكِّن من التقييم الدقيق تمهيدا لاختراق الثورة أو احتوائها أو مراقبتها أو السيطرة عليها أو التحكم بها.

وعليه فليس من الموضوعية في شيء استبعاد أن يكون الإعلان عن توحيد المجموعات المسلحة في مجالس عسكرية واقع فعليا في هذا السياق رغم الصراعات الطاحنة بين العسكر ومحاولات الاستقطاب السياسي والأمني لهم .. أي سياق جمع المعلومات وليس اتخاذ القرار كما يتوهم المتطوعون لتقديمها. وهنا تكمن الخطورة على الثورة. فالذين تطوعوا، بحماس، لتقديم المعلومات يبدون مقتنعين بأن واشنطن تربط «تسليح الثورة» بتوحيد الجماعات المسلحة!!! وهم بهذا التفكير غفلوا أو تغافلوا عن إدراك حقيقة أنهم ربما يكونون واقعون بمصيدة أمنية لا هدف لها إلا جمع المعلومات وليس تزويد الثورة بالسلاح .. نقول هذا ونحن نستحضر ما أوردته صحيفة «الواشنطن بوست – 25/7/2012 » من أن الاستخبارات البريطانية والفرنسية والألمانية ولاسيما الأمريكية، تعاني من فجوة استخبارية في سوريا حول هوية القوى العسكرية المقاتلة!!!

مشكلة الثورات دائما تكمن في أولئك الذين يتسلقونها أملا في مكاسب شخصية دون أن يقيموا أي اعتبار لأية مسؤولية أو مخاطر تتهدد الأمة ومصيرها، وكذا أولئك الذين يعانون من قصور في القراءة لحقيقة الثورة السورية ومكانتها دوليا باعتبار «الطائفة العلوية» هي الامتياز الدولي وليس سوريا أو حقوق أهلها ودمائهم وأعراضهم. وإلا فلماذا يجري تدمير البلاد مدينة مدينة وحيا حيا وقرية قرية؟ ولماذا لا يتعظون من تجارب معارضات أفغانستان والعراق وأمثالهم؟

ولا ريب أن الأسوأ في انعطافة الثورة، من الحالة المدنية إلى الحالة العسكرية، وقع وسط غياب لأية خبرة سابقة في المعارك والحروب لدى الأجيال الجديدة من السوريين. وسيعني الغياب بالضرورة تَقدُّم في المبادرات الفردية والحدس، في التعامل مع النظام، على حساب كل تخطيط عسكري منظم يأخذ بعين الاعتبار كافة القراءات اللازمة على المستوى الأمني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والقدرة .. وكلها عوامل تساهم في بلورة الموقف ومن ثم تحديد المكاسب والمخاسر من أي تحرك عسكري. ولأن الثورة السورية ولدت عذراء كحال المجتمع السوري الذي لا يمتلك أية مرجعية للاسترشاد والتوجيه فقد ظهر الأداء العسكري للثورة أقرب ما يكون إلى « فزعة عرب»، الأمر الذي تسبب بكوارث وخسائر فادحة من حيث:

• أن التحصن في الأحياء والقرى والمدن أعطى النظام هدفا واضحا في حين أن الأجدر كان التعمية عليه. وهذا حصل في دمشق ودرعا وحماة وأحياء حمص وإدلب واللاذقية وأخيرا في حلب. ولعله من المفيد التذكير بتقييم أحد الضباط الأردنيين في أعقاب احتكاك مع جنود سوريين على الحدود الشمالية أسفر عن مقتل جندي أردني وإصابة آخرين بجراح، حيث قال: «إن القوات النظامية تعاني من الإرهاق .. وهي مستفزة» !!! وهو تصريح يشي بأن الأداء العسكري كان سيكون أفضل لو أن الثوار لجؤوا إلى ضرب القوى النظامية في مختلف المناطق، وفي صيغة مجموعات سريعة الحركة وفعالة. وهو أسلوب يزيد من الإرهاق، ويتسبب بالصدمة وفقدان القدرة على السيطرة والتحكم ويقلل من الخسائر البشرية، بخلاف أسلوب التحصن في الأحياء الذي يوفر للنظام هدفا سهل المنال.

• كما أن كثرة الميليشيات والجماعات المقاتلة تسبب بحالة من الفوضى وصعوبة السيطرة، ولأن الأهداف واضحة فقد لجأ النظام إلى سياسة التدمير أو الأرض المحروقة والقتل الجماعي. فـ «الجيش الحر»، سواء كان «راية شعبية» أو «راية نظامية»، لا يمتلك القدرة على مواجهة جيش نظامي مجحفل. ومع ذلك فقد تعاملت الوحدات الشعبية والنظامية لـ «الجيش الحر» مع قوات النظام كما لو أنها جيش نظامي، وهذا لا ريب خطأ جسيم. فلا هي مؤهلة لذلك، ولا هي قادرة، بأسلحتها البدائية، على مواجهة النظام من جهة، ولا هي قادرة على حماية السكان من جهة ثانية. بل أن «الجيش الحر» وقع في فخ إنقاذ السكان المرة تلو الأخرى بسبب تحصنه في أحياء لم يستطع الاحتفاظ بها. وليس ببعيد تجربة بابا عمرو وداريا ودوما والحافة والرستن وغيرها من الأحياء والقرى التي تعرضت لانتقام دموي جماعي من قوات النظام.

• القصور الشديد في قراءة الموقف العسكري سواء لدى الثوار أو المحللين وبعض الفضائيات أو أولئك الممولون ممن لا يملكون أية ثقافة أو تجربة أو خبرة عسكرية أو أمنية لكنهم لا يتوانون عن فرض رؤاهم والمشاركة في اتخاذ القرار، وحتى التشجيع على بدء معركة دمشق مثلا!!! وبحسب تقييم أحد العسكريين فإن دخول «الجيش الحر» إلى مدينة حلب لم يكن سوى استدراجا لمقاتلي الريف الحلبي كي يتوجهوا إلى المدينة. ويدلل على ذلك بندرة القصف الجوي لعديد التجمعات العسكرية في الريف، مشيرا إلى أن السؤال الذي كان يتبادر إلى الذهن لدى بعض المجموعات هو: لماذا لا تقصف الطائرات المقاتلين؟ ولماذا أخلى النظام مراكزه الأمنية في الريف وسلم أربعة مناطق لمجموعات الـ pkk التابعة لحزب العمال الكردستاني؟ ولماذا يمنع الفرقة 17 المرابطة بمدينة الرقة من السيطرة على الريف أو التوجه نحو حلب حيث الطريق أمامها سالكة تماما؟

لو كان ثمة قيادة عسكرية قادرة على التقييم الجيد لكان السؤال الأولى بالطرح من قبل الثوار هو: لماذا يحاول النظام إغراء المقاتلين بالتوجه إلى قلب مدينة حلب؟ وأيهما أجدى: اقتناص الفرصة؟ أم تعطيل استراتيجية النظام؟ لو كان من جواب؛ فلا نظن أنه سيقع خارج سياق رغبة «المركز» والنظام في تدمير المدينة التي ظلت إلى حد ما بمنآى عن أن تكون هدفا سهلا .. فالتدمير هو الهدف الاستراتيجي للنظام بقطع النظر عن موقف أهالي المدينة من الثورة أو بقاء الغالبية منهم في دائرة تقاطع المصالح مع النظام .. وتبعا لذلك فقد كان من الأولى، ولو مرحليا، إفساد مخططات النظام وإيقاعه في حيرة وارتباك والعزوف عن دخول حلب في هذه المرحلة.

ثالثا: التوصيف العقدي لـ « الشام»

كان العالم الإسلامي، قبل سنة 1913، يتمظهر في صيغة كتل جغرافية وسكانية ضخمة تعرف باسم «بلاد العرب» (الجزيرة) و «بلاد الشام» و « بلاد المغرب» و «بلاد الرافدين» و «أرض الكنانة» و «بلاد الهند» و «بلاد الترك» ... وقبل هذا التاريخ، أيضا، لم يكن ثمة نظام دولي يتمتع بالمركزية والرقابة والهيمنة كما هو اليوم، فالعلاقات الدولية والمعاهدات كانت ثنائية أو ثلاثية أو رباعية أو خماسية، وفي أحسن الأحوال ذات طابع إقليمي. لكن بعده صار العالم الإسلامي في بؤرة التمزيق الدولي بقيادة بريطانيا وفرنسا، وانتهى به الحال إلى هدم الخلافة الإسلامية وتثبيت النظام الدولي بمرابط قوية تحول دون ائتلافه ثانية. ومن هذه المرابط كانت ولمّا تزل «إسرائيل» و «الطائفة العلوية» في سوريا، والتي تتولى إيران «الصفوية» رعايتها اليوم ومساندتها واقعيا.

وبطبيعة الحال لا يمكن التسليم بالقول أن «بلاد الشام» هي سوريا اليوم أو «دمشق» كما أشاعت ثقافة نظم «سايكس - بيكو» بين العامة. إذ ما من مصدر تاريخي قبل الميلاد وبعده، أعجميا كان أو عربيا، فضلا عن المصادر الشرعية، يقبل بهذا التوصيف، لمنطقة عريقة تمتد حدودها إلى الجزيرة العربية شرقا والبحر الأبيض المتوسط غربا وجنوب تركيا بدءً من حدود أضنة شمالا وعريش مصر جنوبا.

إلى جانب التوصيفات السياسية والعسكرية والأمنية فإن التوصيف العقدي لبلاد الشام يبقى هو الأكثر حسما في فهم حالة الثورة السورية. وبموجبه تبدو الكتلة البشرية والجغرافية لـ «الشام» واقعة في بؤرة الثورة رغم ما تتميز به من سكون ظاهر. بمعنى أن ما ينطبق على «شام» الثورة سينطبق بالضرورة على «الشام العقدية» أو «الشام التاريخية». فما هي مكانة «الشام» في التوصيف العقدي؟

وردت « الشام» في روايات عديدة في الأحاديث النبوية الشريفة. وبحسبها فهي البلاد التي استأثرت بـ «كفالة الله في الأرض»، و «حماية الملائكة لها»، وهي «الأرض المباركة»، و «عَقْرُ دارِ الإسلامِ»، و «أرض الإيمان»، و «موطن الملحمة»، و « خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ»، و « أرض الفسطاط»، و « في عنق أهلها صلاح الأمة وفسادها». وتاليا بعض الأحاديث النبوية:

• قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «سَيَصِيرُ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ تَكُونُوا جُنُودًا مُجَنَّدَةً جُنْدٌ بِالشَّامِ وَ جُنْدٌ بِالْيَمَنِ وَ جُنْدٌ بِالْعِرَاقِ قَالَ ابْنُ حَوَالَةَ خِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ فَقَالَ عَلَيْكَ بِالشَّامِ فَإِنَّهَا خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ يَجْتَبِي إِلَيْهَا خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ فَأَمَّا إِنْ أَبَيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ بِيَمَنِكُمْ وَاسْقُوا مِنْ غُدُرِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَوَكَّلَ لِي بِالشَّامِ وَ أَهْلِه». قال ربيعة: فسمعت أبا إدريس يحدث بهذا الحديث يقول: ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه.

• وروى البخاري: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا". وروى أبو داوود: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إِنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ إِلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا دِمَشْقُ مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ».

• وروى الترمذي عن رَسُولُ اللَّهِ أنه قَالَ: « إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلا خَيْرَ فِيكُمْ لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ». وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَال:َ «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ نُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ مِنْ الرِّقَاعِ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ طُوبَى لِلشَّامِ فَقُلْنَا: لأَيٍّ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّه؟ِ قَالَ: لأَنَّ مَلائِكَةَ الرَّحْمَنِ بَاسِطَةٌ أَجْنِحَتَهَا عَلَيْهَا». وفي رواية أخرى عن زيد بن ثابت: ‏"‏ ... «إن الرحمن لباسط رحمته عليه‏».‏

• وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله يقول: «إِذَا وَقَعَتِ الْمَلاحِمُ خرج بَعْثٌ مِنَ الْمَوَالِي من دِمَشْق هُمْ أَكْرَمُ الْعَرَبِ فَرَسًا وَ أَجْوَدُهُم سِلاحاً يُؤَيِّدُ اللَّهُ بِهِمُ هذا الدِّينَ».

• وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : «إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فنظرت فإذا هو نور ساطع عمد به إلى الشام ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام». وعن سالم بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «ستخرج نار في آخر الزمان من حضرموت تحشر الناس قلنا: بما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: عليكم بالشام».

• وأخرج السيوطي والطبراني أن رَسُولُ اللَّهِ قَال: «عَقْرُ دارِ الإسلامِ بالشام». وعن ابن عمر أن رسول الله قال: «اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا‏.‏ فقال رجل‏:‏ وفي شرقنا يا رسول الله‏؟‏ فقال‏:‏ ‏‏اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا‏‏‏.‏ فقال رجل‏:‏ وفي مشرقنا يا رسول الله‏؟‏ فقال‏:‏ ‏« اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا، إن من هنالك يطلع قرن الشيطان وبه تسعة أعشار الكفر وبه الداء العضال‏».‏

• وعن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله ‏: «لا يزال أربعون رجلاً من أمتي قلوبهم على قلب إبراهيم، يدفع الله بهم عن أهل الأرض، يقال لهم‏:‏ الأبدال‏». وعن شريح بن عبيد قال‏:‏ ذكر أهل « الشام» عند علي وهو بالعراق، فقالوا‏:‏ العنهم يا أمير المؤمنين، قال‏:‏ لا إني سمعت رسول الله يقول‏:‏ «‏البدلاء بالشام، وهم أربعون رجلاً، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً يستقى بهم الغيث، وينتصر بهم على الأعداء، ويُصرف عن أهل الشام بهم العذاب‏»‏‏.‏

الثابت إذن أن إرث أو مكانة «الشام العقدية» أو « الشام التاريخية» ثقيل جدا في العقيدة. فهي البلاد التي استأثرت بكفالة الله في الأرض، وحماية الملائكة لها، وهي الأرض المباركة، وعَقْرُ دارِ الإسلامِ وأرض الإيمان وموطن الملحمة وخِيرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ والفسطاط وفي عنق أهلها صلاح الأمة وفسادها. فما هو المتغير فيما يجري في « الشام»؟

المتغير هو في تلك القراءات السياسية التي تأبى أو تتجاهل القراءات العقدية. وهو سلوك درجت عليه كافة الجماعات السياسية والفكرية التي أعرضت عن الاسترشاد في الخطاب الديني واكتفت بالاجتهادات السياسية والأيديولوجية. وهذا ينطبق على الدول ومؤسساتها مثلما ينطبق على القوى الوطنية سواء كانت إسلامية أو علمانية. وفي حالة الثورة السورية يبدو الخطاب الديني أكثر ثقة وإغراء في التحليل دون أن يتعارض مع أي قراءة موضوعية بقدر ما يكشف عن الغوامض منها ويحسم الموقف في بقية القراءات.

في التوصيف العقدي لن يكون الحديث متاحا عن إسقاط النظام دون النظر في التداعيات. إذ أن إسقاط النظام يعني إسقاط الطائفة، باعتبارها أداة «المركز» في الحفاظ على أمن النظام الدولي واستقراره. كما لا يمكن اعتبار «تحرير دمشق» علامة حاسمة على إسقاط النظام القائم. ولا يمكن، أيضا، التسليم بفكرة أن الخلاص يكمن في «تسليح الثورة» أو «الحظر الجوي» أو «إقامة المناطق العازلة». فلا «المركز»، صاحب النظام الدولي، ولا مربطه الأقوى « إسرائيل»، ولا إيران ولا العراق ولا كل أطياف الشيعة ولا حتى النظام العربي، صنيعة النظام الدولي، سيقفون متفرجين أو منتظرين مصائرهم وهم يراقبون مربط النظام الدولي يجري انتزاعه من موضعه، متسببا بفراغ يهدد كافة الكيانات الإقليمية والمشاريع الصليبية والصهيونية و «الصفوية». إذ أن لكل من هؤلاء مصالح استراتيجية تجتمع على تأمين الطائفة كمدخل لتأمين النظام الدولي وحماية كل هذه المصالح.

الثابت الوحيد أن كل ما هو مطروح على السوريين هو «الحل مع النظام» .. بل «الحل في صلب النظام» وبنيته التاريخية. وعليه فإن «تحرير دمشق» وفق الفهم السياسي للمعارضة ليس، في الحقيقة، سوى صيغة موازية لصيغة «الحل مع النظام» وليس إسقاطا له. لكن إذا ما رأى البعض أن «تحرير دمشق» يقصد به إسقاط النظام برمته في سوريا فسيعني هذا حتما، بلسان «المركز»، أن المنطقة ستدخل في دوامة خطيرة جدا من الفوضى يصعب السيطرة عليها .. ولعل هذه الدوامة ستكون أولى ملامح «الملحمة» .. لذا، ورغم كل ما يجري في سوريا من قتل وتدمير ليس إلا إرهاصات لـ «ملحمة» قد تكون قادمة. والسؤال هنا: من هم أطراف «الملحمة»؟

لا ريب أنهم كل الكتلة الجغرافية والسكانية لـ «الشام العقدية» أو «الشام التاريخية» في مواجهة «المركز» و«إسرائيل» و «الصفوية». فـ « الملحمة» هي تلك التي «الملحمة العقدية » التي تخص كل أهل «الشام» وليس سوريا «سايكس – بيكو» أو سوريا النظام الطائفي. ولعل الحيرة في التعامل مع الثورة السورية في ضوء عذريتها العقدية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والأيديولوجية، وكذا غياب أية حقيقة موضوعية، وانسياق السوريين في ثورة يصعب التوقف فيها تدفع بالتفكير إلى أن ما يجري هناك ليس سوى تدبير رباني فشلت كل الجهود في احتوائه أو التحكم به أو السيطرة عليه أو حتى مجرد فهمه.

أخيرا

تبدو الثورة السورية كجوهرة ثمينة لا يدرك أحد قيمتها. ويبدو أن السوريين، أكثر من غيرهم، لا يريدون أن يصدقوا ما يفعلون. والحقيقة أن ما حققوه في عام ونصف يفوق ما حققته كل قوى الأمة منذ تقسيم العالم الإسلامي إلى يومنا هذا. فللمرة الأولى تشعر كافة القوى الدولية والإقليمية أن بنية النظام الدولي تهتز بشراسة، وتنذر بخطر عظيم يتهدده ويتهدد كل ما شيده طوال عقود مديدة. ولأول مرة تستفيق الأمة على حقيقة مدى خطر المشروع «الصفوي» في تحالفه مع المشاريع «الصليبية» و «الصهيونية» ضد الأمة والدين، في حين أن قطاعات واسعة من الأمة، وإلى حين وقوع الثورة السورية، لم تكن تصدق أن الشيعة يمكن أن يكونوا خطرا بقدر ما كانت تدعو لـ «حزب الله» الذي «رفع رأس الأمة عاليا»!

واليوم يخوض «المركز» كما إيران و «حزب الله» و « إسرائيل» معاركهم الأخيرة في سوريا. لذا
لم يعد ثمة تقية في أن يحاصر «المركز» الثورة ويعلن صراحة رفضه لتسليحها خشية المساس بـ «الطائفة العلوية»، ويصر على الاحتفاظ بالنظام وكافة مؤسساته الدموية، والعمل على اختراق الثورة والتربص بالمجاهدين فيها؛

ولم يعد ثمة تقية حين يعلن الإيرانيون أن معركتهم في سوريا هي معركة طهران، وأنهم سيحتلون الكويت إذا سقط النظام، وأنهم يشاركون في حماية النظام وغرف العمليات المشتركة، ويفتون بوجوب الجهاد في سوريا حتى لا تسقط بيد «النواصب»، وهم الذين لم يخوضوا جهادا في كل التاريخ الإسلامي بقدر ما تحالفوا مع الغرب على إسقاط البلدان الإسلامية والنزول مع القوات البرتغالية على شواطئ الجزيرة العربية لاحتلال مكة؛

ولم يعد ثمة تقية لدى «حزب الله» وزعيمه حين يتحدى ويهدد الثورة بالحرب إذا لم تطلق سراح المختطفين من عملائه في سوريا، ويعلن صراحة، كما النظام الطائفي، أن الثورة السورية ليست سوى مجموعة عصابات متآمرة على نظام «الممانعة والمقاومة» الذي قتل عشرات الآلاف وشرد الملايين وانتهك الحرمات ودمر سوريا، وكلاهما لم يطلق طلقة واحدة باتجاه «إسرائيل» حين كانت تذبح غزة على مرآى من عينه وعين الأسد؛

ولم يعد أيضا ثمة تقية لدى «إسرائيل» وهي تجاهر بخشيتها من سقوط «ملك ملوك إسرائيل»، وتسمح له بتحريك فرقه وطائراته ومدافعه وصواريخه ودباباته على بعد كيلومترات من حدودها.

لم يعد ثمة تقية ...

يتبع ....


نشر بتاريخ 02-10-2012

http://www.almoraqeb.net/main/articles-action-show-id-385.htm



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الثورة السورية ومسارات التدويل (10)..«الشام» و «الملحمة»
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الدولة الاسلامية في العراق والشام :: الفئة االثانية :: الدولة الاسلامية في العراق والشام-
انتقل الى: